تأمّل حول الإنجيل


هـكذَا إرْتَضَيْت

كالكرّام عندما يرى الثمار بدأت تظهر على الأغصان بعد طول إعتناءٍ وعملٍ جادّ، تغمره قشعريرة فرحٍ لأنّ عمله أتى بالمطلوب، فيبدأ بشكر صاحب الكرم على كلّ ما أوكله به وأمّنه عليه، هكذا يسوع في تلك السَّاعَةِ، وبعد عودة التلاميذ من النواحي حيث كانوا يبشّرون، "إبْتَهَجَ بِالرُّوحِ القُدُس، فَقَال: "أَعْتَرِفُ لَكَ، يَا أَبَتِ، رَبَّ السَّمَاءِ وَالأَرْض، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هـذِهِ الأُمُورَ عَنِ الـحُكَمَاءِ وَالفُهَمَاء، وَأَظْهَرْتَها لِلأَطْفَال. نَعَم، أَيُّهَا الآب، لأَنَّكَ هـكذَا إرْتَضَيْت ".

إبناء الرجاء

هل رأيت يومًا إنسانًا مسرورًا وحياته تضجّ فرحًا وهو مفلسُ الرجاء؟ هل إختبرت الإستسلام لقدَرِك أو قبلت مرغمًا بغياب العدالة وغيرها...، دافنًا كلّ ومضة أملٍ أو بصيص نورٍ وشعرت بالسلام في قلبك؟ ونحن ماذا نترجّى وماذا ننتظر؟

لُقيا وجه يسوع من جديد هو ما نرجوه، وما ننتظره هو ملكوت الله الّذي يتلمّس طريقه الإنسان منذ لحظة المعمودية، فيَسير فيه يومًا بيوم وخطوةً بخطوة إلى أن يبلغ بيت الآب. لكن هذا القبس من النور (الرجاء) لا يتجلّى في حياة حكماء وفهماء هذا العالم الّذين، بغرورهم، ينسبون كل شيءٍ لعلمهم وقدرتهم، فتُحجب عنهم كلّ تلك الأشياء، بل (يتجلّى) في أعماق القلب الوديع والمتواضع فَيَنمو كالجنين فيه، حيث يتغذّى بحبّ الآب وفيض المعرفة، وينعم بدفئ الإبن ويمتلئ بفرحِ وسلام الروح القدسٍ .

الصلاة حوار

أحببت ما قاله أحد المرشدين المتأملين في الكلمة بما معناه أن الإنسان له أذنان إثنتان لكنّ له فمٌ واحد، فعندما نصلّي، علينا أن نكون مرتين أكثر إصغاءً من التكلّم؛ هكذا تصهر الصلاة العلاقة بين الله والإنسان، من القلب إلى القلب، بين سيّد الحياة وكلٍّ منّا. لذلك لننتبه إلى خطر أن تصبح صلاتنا مثقلة بالـ"أنا" فتتشوّش، وبدل أن تتمحور حول "الذات"ونكلّم أنفسنا ونتكلمّ عن أنفسنا ونستفيض، لندخل في حوارٍ مع "آخر" أستطيع أن أقول له "أنت" – لأنّ الصلاة كلام بين شخصين وليست "مونولوج"- فهل تبنى صداقة دون تبادل الأحاديث، دون تمضية لحظاتٍ حميمة سويًّا مع من نحبّ، يبوح فيها الواحد للآخر بما يكنّه له من مشاعر؟ ومن هو أهلٌ لذلك أكثر من الله؟

لنشكره فرحين

ما كان المتكبّر يومًا والمغتر يشعر أنّ لأحدٍ دينٌ عليه، بالتالي هو لا يتعاطى أسلوب الشكر لأحد. لا يحني رأسه لينظر أين تغرق قدماه خوفًا من أن يكتشف صغره المروّع أمام كَرَم الله وفيض نعمه عليه، فيُضطَرّ إلى شكره وعرفانه بالجميل له. لذلك لا نجد الفرح سوى على وجوه المتواضعين، وإن نظرت في أعينهم فتراها تلمع من الشوقِ فتجذبك إلى من تعرّفت إليه وعشقته. أمّا إن تكلّمَت، فلا تنطق إلاّ بكل ما ينبع من الأعماق حيث مسكن الله، فتسمعها تتهلّل وتمجّد وتعظّم الخالق على ما كشفه لها من سرّ حبّ الحقيقي، وإن تحركت فلا تمتد يداها إلا للخدمة والعطاء ومسح الدمعة الحزينة و...، فتعرفَ أنّ كيانها بالكامل أصبح مجبولاً بالكلمة وأصبحت هيَ هيَ كما أرادها الله أن تكون يوم أبدعها .

اليوم كلنا مدعوّين لنتخطّى" ذاتنا" اللاهية والباحثة عن نفسها حيث ترغب بها أن تكون. لننساها في مسيرتنا خوفًا من أن نُضيع البوصلة في بحثنا عمّا يرضيها، فَنَتوه عن الدرب الّذي يقودنا إلى الآب، ولنثبّت نظرنا عليه في كل صغيرة وكبيرة، في كل عملٍ وحدث وحديث، والقلب مرتفعٌ صوبه بالشكر والتسبيح، ممجدين مع يسوع مردّدين فرحين: "أَعْتَرِفُ لَكَ، يَا أَبَتِ، رَبَّ السَّمَاءِ وَالأَرْض...لأنّك هـكذَا إرْتَضَيْت" فنسمعه يجيبنا: "طُوبَى لِلْعُيونِ الَّتِي تَنْظرُ مَا أَنْتُم تَنْظُرُون !"