زوّادة الأسبوع


عرض أحد الفنانين على صديق له أن يرسمه، فوافق على ذلك ليحافظ على إستمرار الصداقة معه. كان صديق الرسام ذو أطباع هادئة جدًّا لكنه كان عدائيًّا تجاه الكنيسة. وهكذا يومًا بعد يوم وأسبوع بعد أسبوع خصص الصديق وقتًا ليجلس أمام الرسام، وخلال هذا الوقت لم يسمح له صديقه الفنان أن يرى كيف كان يتقدم في الرسم. وذات يوم دخلت زوجة الرسام فجأة عليه بينما كان منهمكًا في الرسم، وما أن وقع نظرها على اللوحة حتى صاحت "كرانك!! كرانك" (مريض بالألمانية)، ونظرت إلى زوجها قائلة له: "لقد رسمته ليبدو مثل جثة"!! ردّ زوجها الفنان بحدة وهو متضايق منها لأنها كشفت هدفه في غير أوانه: "إنه ليس مريضًا، لكن هذا ما سيبدو عليه إن فارقه الحنو وجفّت منه الرحمة".

يا له من وصفٍ مؤلم لحالة الإنسان حين تفارقه رحمة الله وحنانه. أليس لدى الكثيرين بيننا هذا الإحتمال أنهم يعيشون كالجثث المتحركة دون حياة؟؟!! يعيشون الفظاعات المحزنة في قلوبهم المتفجرة، عداوات صارمة وأحقاد دفينة، وحين تنظر إليهم ترى تلك الملامح الباهتة، في عيونهم الباردة ووجوههم العابسة!! لا أحد فينا يرغب أن يكون هكذا أو يعيش مع تلك الحالة أو أن يلتقي بأحد هؤلاء الأشخاص.

على النقيض من ذلك نرى أن الإثنين والسبعين تلميذًا قد عادوا "بفرح" لانهم حصلوا على نعمة فريدة من الرب لم يفهموها إلا حين صاروا كالأطفال بقوة الروح القدس. فهموا أن الرب "يفرح بالرأفة. يعود فيرحمنا، يدوس آثامنا، ويطرح في أعماق البحر جميع خطايانا" (ميخا 7/19).. فهموا أنهم إن "لم يعودوا كالأطفال لن يدخلوا ملكوت الله"، ملكوت الفرح. فهموا أن الرب يرضى عن صغار هذا العالم لا عن كباره "أنزل الجبابرة عن عروشهم ورفع المتّضعين. أشبع الجياع من خيراته والأغنياء أرسلهم فارغين" (لوقا 1 /51–52). فهموا أنه رغم ضعفهم وفقرهم وقلة عددهم وبالرغم من كثرة العثرات وما تحمله الحياة من ضياع وخيبات، فالله هو مصدر فرحهم وبهجتهم وملجأهم الأمين لأنه "يمنَحُ المُتعَبَ قُوَّةً ويَزيدُ فاقِدَ القُدرَةِ إ‏حتِمالاً. الفِتيانُ يكِلُّونَ ويَتعَبونَ والشُّبانُ يَسقُطونَ مِنَ العَياءِ، أمَّا الّذينَ يَرجُونَ الرّبَّ فتَتَجَدَّدُ قِواهُم على الدَّوامِ ويرتَفِعونَ بأجنِحةٍ كالنُّسورِ. ولا يَتعَبونَ إذا ركضوا ويَسيرونَ ولا يكِلُّونَ" (أشعيا 40/30 -31).

لا أحد فينا يرغب أن تكون صورته لدى الآخرين صورة المريض المشرف على الموت. إذا فارقنا الفرح الداخلي فإن الحياة بحد ذاتها تُدمَّر فينا، وتكون الخسارة فادحة بشكل لا يُعوّض. فـ"ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه"؟؟ (متى 16/26)

يظن البعض أن الفرح هو نتيجة التسلية واللهو واللعب في كل شيء، اللهو الّذي يولِّد المتعة التي تنحني أمامها الإرادات وتضعف النفوس وتزحف الشخصيات وتخرب العائلات والبيوت العامرة لا بل يدمر العالم!!. ألا نستطيع الحصول على الفرح والبهجة بإرادة لا تقهر وتصميم لا يلين وشجاعة لا تُهزم؟؟ ألا نستطيع أن نضبط مسيرتنا ونوجهها بحزم نحو من هو "الطريق والحق والحياة"؟ اذا لم نمت نحن، ألم نشاهد مَن مات جراء الإنتماء الأعمى لشهوات النفوس القاتلة؟؟

لقد كتب نقش على ضريح الكاتب الفرنسي “Maupassant” "إشتهيت كل شيء ولم أحصل على المتعة في شيء" وهو من أعظم كتاب القصص القصيرة وأشهرهم على الإطلاق وقد إمتلك ثروة كبيرة ونال إعجاب الناس رجالاً ونساء. رغم ذلك فقد جن وهو في قمة شهرته نتيجة مرض ما من الأمراض الجنسية.

يوم الأحد الفائت، أثناء إجراء الإنتخابات البلدية في قريتنا، إلتقيت بمجموعة شباب، في باحة صالة الرعية. بادرني شاب من بينهم بسؤال: "أليس المسيح هو أهم شخص في العالم؟"، أومأت برأسي موافقًا، مستغربًا الموقف.. (ظننت أنهم يتحدثون عن الإنتخابات)، واذ بهم يتحدثون عن يسوع!! وأردف الشاب قائلا: "أحاول أن أقنعهم أن لا شيء في هذه الحياة يجلب السعادة والفرح للإنسان أكثر من يسوع، لقد جربت كل شيء، إقتنيت سلسلة من السيارات لم تسعدني، إقتنيت سلسلة من الأسلحة لم تفرحني، كنت دائمًا أقع في الخطيئة ومن ثم أتوب ولكن ليس من كل قلبي، ولم أحصد من كل ذلك سوى الخيبة ومرارة الشعور إلى حد الكآبة.."، سألت الشاب ماذا حصل معك كي تغيرت هكذا؟ أجاب بحماس كلي ووجهه مشرقًا "لقد إكتشفت المسيح منذ 6 أشهر".

لقد إكتشف هذا الشاب أن الفرح لا ينتج عن إشباع حاجة معينة، لأنه سيعود يترك وراءه فراغًا كبيرًا يطال جوهر الإنسان وكرامته. ربما يكون الشعور بالفراغ من أسوأ أنواع الموت. والفراغ يأتي من الروتين المستبد الذي يجعل من الإنسان مسلوب الإرادة، فاقد الحرية، لاهثًا وراء إرضاء الجسد كغاية بحد ذاتها، متجاهلاً إرضاء الروح، متناسيًا أن لحياته معنى أعمق وأهداف أسمى من كل الاشياء الأرضية الأخرى.. المتعة تولد فرحًا عابرًا أولاً ومن ثمّ تختنق بألم الخيبة حتى الغرق والموت!! أما الفرح الحقيقي، الّذي هو الهدف الأعظم لكل إنسان، فهو نتيجة التمتع بحضور الرب في تفاصيل الحياة البسيطة؛ هذا الفرح الّذي يمنحه الرب لأبنائه مهما بلغت ظروف حياتهم.. ألم يتحمل يسوع ألم الصليب كي يروي عطشنا الروحي لحدّ الفرح ["الّذي من أجل السرور الموضوع أمامه، إحتمل ألم الصليب مستهينًا بالخزي، فجلس في يمين عرش الله" (عبرانيين 12/2)].

لخّص أحد أكثر صحافيي إنجلترا شهرة “Malcolm Mugrgeridge” سعيه إلى المتعة، الّذي أوصله إلى حد الشذوذ، قائلاً: "يمكنني على ما أظن أن أعتبر نفسي رجلاً ناجحًا، فالناس يُحدقون إليَّ في الشوارع – تلك شهرة. أستطيع بسهولة أن أحصل على أعلى المداخيل – ذلك نجاح. أستطيع أنا المتقدم بالعمر وبقليل من المال أن أشارك في أحدث أنواع التسلية – تلك متعة. قد يؤخذ ما قلته أو كتبته بعين الإعتبار فأُقنع نفسي بأن لي التأثير الكافي في زمننا – ذلك إنجاز. مع ذلك أقول لك وأتوسلك أن تصدقني، ضاعف هذه الإنتصارات مليون مرة وسيكون مجموعهم كلهم مساويًا لا شيء بل أقل من لا شيء، بالقياس مع شربة واحدة من الماء الحي الّذي يقدمه المسيح للعطشان روحيًّا كائنًا من كان".

"كم هو فظيع أن نرى مسيحيين بوجوه تعيسة. إنه أمر فظيع حقًّا، يعتقدون أنهم مسيحيين ولكنهم ليسوا كذلك" (البابا فرنسيس). كم هو فظيع أن تفارق البهجة إنسان اليوم. وكم هو سعيد الإنسان الّذي يسمع الرّب يسوع هامسًا له على إنفراد " هنيئًا لمَن يرى ما تراه أنت". أعطنا يا رب أن نتذوق الفرح الحقيقي والسعادة الأبدية في شخصك الّذي يعطينا نشوة من الفرح لا يعرفها إلا الّذين يسكنون تحت حمايتك ومشورتك وتسكن أنت فيهم، آمين.